اخبار السينما و الفنالبوابة الأخبارية

القبلات في السينما تاريخ من القبول والرفض

شقت جيوب الغزل وأنبح صوت القبل
على الشفاه التي تشرب من مهجتي

هكذا يشدو الموسيقار محمد عبد الوهاب في أغنيته يا ورد مين يشتريك كلمات القصيدة تعزز من قيمة القبلة والتي يقول عنها يقول البروفيسور مارسيل دانسي أستاذ الأنثروبولوجيا اللغوية بجامعة تورونتو، إن تاريخها يبدأ مع العصور الوسطى مستشهداً على وجود (القُبلة) بقوة في الكثير من أشكال الأدب والفن، التي احتفت بالعلاقات الرومانسية العفيفة وغير العفيفة على السواء. إلا أن خبراء يرفضون ذلك، ويرون أن القبلة تحولت إلى ثقافة شعبية في العصور الوسطى، لكن جذورها التاريخية أبعد بكثير. حيث القُبلّات فعل شائع في العلاقات الاجتماعية، علامة قرب ومودة، وممارسة حياتية، ولذا كان طبيعيًا أن تعكس السينما مظاهر الحياة بتفاصيلها ومنها القُبلات.

في فيلم دموع الحب – 1935 غنى الموسيقار محمد عبد الوهاب أغنية يا ورد مين يشتريك، يحكي الفيلم قصة شاب موهوب في الغناء لكنه يعمل سائقًا لدى أحد الباشوات والتي تحتفي ويقع في حب ابنة أخو الباشا، لا يكتفي في الفيلم بالغناء للقبلات كشكل من أشكال إيصال الحب، لكنه أيضًا يُقبل حبيبته.

أما فيلم “سلّامة” الذي عُرض عام 1945 تُسأل سلامة عن القُبلة فتأتي على وصفها، وتصنيفها، بينما يسمعها قومها معدينها حكيمة وبليغة.

تتوالى القبلات في الأفلام كسلوك طبيعي للشخصيات حسب القصة والتطور الدرامي، لكن مشهدًا في فيلم – العذاب فوق شفاه تبتسم – 1974 يجمع الأختين (شهيرة وفوقية) (ليلى حمادة ونجوى إبراهيم) تحكي فوقية عن الشاب الذي تحبه وتراه أنه لا يبادلها الحب فهو لا يحاول أن (يبوسها)، بما يعكس نظرة المجتمع للقُبلة كتعبيرًا عن الحب وتأكيدًا عليه.

وتأتي الألفية الثالثة لتكشف تغييرًا طرأ على السينما، فبينما كانت الأفلام تقدم القبلات، بل أن المخرجين يبتكرون في تصويرها، بلقطات مقربة، فإن الألفية الثالثة تشهد تراجعًا واضحًا في التعامل مع القُبلات على الشاشة، وفي مشهد كوميدي، في فيلم جاءنا البيان التالي – 2001 نرى المذيع نادر سيف الدين (محمد هنيدي) والفنانة سونيا (مفيدة رجب) في مقابلة تليفزيونية حيث يسألها عن البوس في أفلامها فقالت الجملة التي أصبحت أحد الإفيهات (البوس في سياق الدراما).

فهل تصنع القبلة أزمة؟

في فيلم “المليونير” – 1950 رفض إسماعيل ياسين أن يقبل سعاد مكاوي، وأثار ذلك مشكلة أثناء التصوير، إلا أن إسماعيل ياسين استطاع أن يُقنع الفنانة سعاد مكاوي بعدم ضرورة القبلة، واقتنعت الفنانة وتم تصوير الفيلم بدونها.

على العكس من رفض إسماعيل ياسين، جاء فيلم بينما أبي فوق الشجرة -1969 محتفيًا بالقبلات، ويُحكى أن الجمهور كان يرتاد عروض الفيلم ليقومون بإحصاء عدد القبلات داخل الفيلم، ويعدونه الفيلم الذي ضم أكبر عدد من القبلات في تاريخ السينما.

أما أغرب ما قيل عن القبلات على الشاشة فهو ما جاء في التصريح الأكثر شهرة ورواجًا للفنانة المعتزلة شهيرة حين قالت في أحد اللقاءات بأن القبلات ليست حقيقية وأنه يتم وضع زجاج شفاف بين الممثلين حتى لا تقترب شفاههما.

بين القبول والرفض استمرت القبلات في المشهد السينمائي إما في سياق الدراما، أو مبالغ فيه وبشكل مبتذل وفي الغالب يكون الابتذال من نصيب أفلام المقاولات، إلى أن ظهر مصطلح السينما النظيفة مع منتصف التسعينات، هذا المصطلح الذي لم يستمر طويلًا لكنه ترك تشوهًا ما لا يمكن بلورته بسهولة حول القبلات والمشاهد الحميمة على الشاشة.

بلاش تبوسني

 

في عام 2017 تم عرض فيلم “بلاش تبوسني” بطولة ياسمين رئيس وكريم قاسم وإخراج أحمد عامر، يتعرض الفيلم في شكل ساخر لتاريخ البوس في السينما، من خلال نجمة الإغراء فجر التي تقرر أن ترتدي الحجاب أثناء تصويرها أحد الأفلام، ونتيجة لقرارها فهي ترفض أن تؤدي قبلة في مشهد، ويُصبح الفيلم مهددًا بالتوقف وتجرى محاولات اقناع للنجمة وهي ترفض، وأيضًا المخرج متمسك بالقبلة.

اعتمد الفيلم تجريبًا واضحًا فقد جاءت القصة وكأن شاب يقوم بتصوير فيلم وثائقي، عن صديقه الذي يخرج فيلمه الروائي الأول، تتقاطع الخطوط الدرامية بين الشاب الذي يصور لقطات وثائقية، وبين المشاهد التي يتم تصويرها داخل الفيلم، وأيضًا الجانب الآخر من حياة ممثلي الفيلم، وفي أجواء ساخرة كشف الفيلم المشكلة الأساسية لدى البعض المشتغلين بالفن/الممثلين، فهؤلاء الذين يُغيرون قناعاتهم الفكرية ويرون في عمل يقومون به شُبهة تحريم أو يرونه حرامًا، لكنهم راغبون وحريصون على المكاسب المادية التي يربحونها من عملهم في الفن، فيسعون لعمل نسخة تُرضيهم انحيازاتهم، بحيث لا يستغنون عن المكاسب ولا يتورطون فيما يرونه مخالف لقناعاتهم المستحدثة، والفيلم يعكس هذه الحالة من الانفصام الذي تعانيه فنانة الإغراء (فجر)، عندما يستعرض رحلتها ومحاولاتها البقاء في دائرة الضوء والمال مع ما قامت به من تغيير علي مظهرها، لكنها تفشل وبالتالي فهي تعود لاستكمال الفيلم، ولأنها نجمة تسعى لفرض رأيها، وتحت وطأة الخسارة المادية التي تلحق بالإنتاج يرضخ المنتج ويسعى لإقناع المخرج بالتحايل على تصوير القبلة.

الفيلم الذي يمتد لنحو تسعين دقيقة يعرض المشكلة الأكثر حساسية بشكل ساخر، وحزين، يطرح قضية البوس/التقبيل في الأفلام منذ بداية الألفية الثالثة، والتعامل مع الفعل بوصفه مكروه، حتى أن مشهد النجمة سونيا بات خيالًا فحتى في سياق الدراما أصبح الممثلون يخافون من أداء تلك المشاهد، لحالات الوصم الجماعي، والمغالاة التي قد يُمارسها البعض، غير متشبعين بدروس قدمها فنانون اعتزلوا ومارسوا حياتهم بعيدًا عن الأضواء دون التقليل أو وصم ما قدموه على الشاشة من قبل.

المؤكد أن السينما فنًا يوثق الحياة، وينقل تفاصيلها، فقد بدأت وثائقية تنقل الحياة الطبيعية للبشر، وحين انتقلت السينما لتكون روائية وتقدم قصص خيالية، كانت أيضًا تصنع صورًا تماثل الواقع، والحقيقة أن الواقع دومًا ستظل فيه القبلة فعل حياة وود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق