وكأن رمضان ماجاش عندنا يا منى!

وكأن رمضان ماجاش عندنا يا منى!

على طريقة إفيه البرادعي الشهير "وكأن ثورة لم تقم يا منى"، الذي خرج من استوديوهات "التوك شو" ليصبح أسلوب حياة، وطريقة سخرية لدى المصريين، تعالوا اليوم

خطأ فادح لأردوغان: البرادعى حصل علي١،٧ ٪ فى انتخابات الرئاسة المصرية
الجيش يطالب المواطنون بالتحقق من شخصية مرتدي الزي العسكري
عاجل| معاق يشعل النيران في نفسه بجامعة أسيوط بعد استبعاده من التعيين

على طريقة إفيه البرادعي الشهير “وكأن ثورة لم تقم يا منى”، الذي خرج من استوديوهات “التوك شو” ليصبح أسلوب حياة، وطريقة سخرية لدى المصريين، تعالوا اليوم نسأل صناع الدراما والبرامج التليفزيونية الكفيلة بتفطير الصائمين: “هوّ فين رمضان وسط اللي بيتعرض ده يا منى؟”

تفتح التليفزيون قبل الفطار يا مؤمن فتجد فنانة ترتدي الـ”بشكير” وهي خارجه من الحمام، فتغض بصرك وتقول سريعا استغفر الله العظيم، قبل أن تقفز أصابعك على الريموت كنترول لتحول القناة؛ فتجد امرأة أخرى بكتفين عاريتين، و”ميني جيب”، فتعود أصابعك مجددا للضغط على أزرار الريموت، فتسمع في مسلسل آخر وصلة ردح وألفاظا أقل ما فيها “ينعل ….أمك”!

لا أريد أن أحصر كلامي في مسلسل “مزاج الخير” الذي يمكن تلخيصه في وصلة دلع من علا غانم، ثم تجهيز مصطفى شعبان لعملية مخدرات وهو يدخن سيجارة حشيش، ثم وصلة رقص من درة، قبل أن نعود من جديد لشوية دلع من علا غانم، ثم عملية مخدرات جديدة لمصطفى شعبان، ثم وصلة رقص جديدة لدرة حتى يشاهدها من لم يشاهد الوصلة الأولى وهكذا تمضي الحلقات!

ولا أريد أن ألخص النقد في مسلسل “حكاية حياة”، الذي تكتشف فيه البطلة أن والدتها تخون والدها، وأن شقيقتها تخونها مع زوجها، وأن زوجة شقيقها تخونه مع مهندس الديكور، بخلاف مشهد إباحي واضح وصريح لرجل وامرأة سويا في البانيو، والألفاظ الصعبة التي تليق بفاقدي التربية ممن يتسكعون على النواصي وفي الحواري والأزقة، رغم أن المسلسل تدور أحداثه حول الطبقة الغنية من المجتمع، بين أناس يسكنون في قصور مستفزة من فرط جمالها وروعة ديكوراتها وتصميماتها.

ولن أكتفي بمسلسل “موجة حارة” أول مسلسل يضع علامة +18 في شهر رمضان الكريم، لما يحتويه من مشاهد جريئة وألفاظ لا تليق بالأطفال، وكأن أزمة صنّاع العمل في الأطفال فقط، وليس هناك ما يقض مضاجعهم أو يؤلم ضمائرهم تجاه حرمة الشهر المعظم.

بخلاف برنامج المقالب المقزز “رامز عنخ آمون” الذي أثار غثيان المشاهدين من فرط تعاطفهم مع رعب وهلع الفنانين الذين يحدث معهم المقلب، بشكل جعل الجمهور يسأل: “ماذا لو مات أحدهم ذات مرة؟”

فالوجبة الرمضانية هذا الموسم بشكل عام فاقت في معظمها كل كلمات وجمل الاعتراض، ونافست في وزرها وحقارتها ما يحدث في عالم السياسة من قتل وسفك دماء، وكأننا نعيش جميعا في مزبلة فنية سياسية لا تجدي معها المُطهرات الروحية التي كنا ننتظرها من السنة للسنة حتى نتخلص من كل عوالق الحياة البغيضة من كذب ونفاق وغش وإباحية.

لقد أفسد معظم صناع الهلس الرمضاني الشهر المعظم نفسه ودنسوا مقامه الكريم، فصار الشهر المفضل للشياطين، حيث يأخذون فيه إجازة من تضليل البشر، ويذهبوا إلى جهنم وهم يعلمون أن خلفهم أتباعا وأعوانا يفوقونهم خبرة وكفاءة في نشر الشهوات والرذائل على الأرض.

ورحم الله كاتبنا الساخر الشهير عم محمود السعدني “الولد الشقي” حين كتب مقالا بعنوان “على باب الله” فى مجلة المصور عدد 24 يونيو عام 1983، لينتقد فيه حال الدراما المصرية في مطلع الثمانينيات، فإذا بمقاله ينطبق على تلك الأيام أكثر، بعد أن اكتشفنا أن رمضان زمان الذي انتقده عظماء هذا العصر، كان أعظم وأطهر من كل هذا الوباء الدرامي الذي غزا الأرواح في العصر الحالي.

وجاء في مقال السعدني: “كما قال ابن مسعور، اللهم بحق هذا الشهر الفضيل، شهر رمضان المبارك، نسألك يا رحمن يا رحيم أن تمنع عنا أذى حضرات السادة أولاد الإيه، مؤلفي مسلسلات التليفزيون وحلقاته، وأن تعمي أبصارنا فلا تقع على عورة يسمونها “حلقة”.. وأن تسد آذاننا فلا يتسرب إليها حوار هايف من تأليف حوارجي أهيف، وأن تلطف بنا يالطيف في هذا الشهر المبارك، فلا تتحالف علينا المسلسلات، ولا تتكالب علينا البرامج! وآه لو كان الأمر بيدي، لأصدرت فرمانا بإنشاء “بوليس الأداء” على وزن بوليس الآداب! لضبط وإحضار حضرات السادة الممثلين الذين احترفوا التمثيل على كبر، والذين يعتقدون أن التمثيل هو نوع من “التطجين”، فيلوي الممثل لسانه ويعوج رقبته وينفخ صدره ويتكلم ولا واحد شارب نشا”.

وأضاف كاتبنا العظيم قائلا: “أرجو أن يدلني السادة المؤلفاتية على العالم السفلي الذي يستمدون منه موضوعات مسلسلاتهم، وهل هناك عالم من هذا النوع بالفعل؟ أم هو عالم من توليفهم؟ ونتيجة أنفاس معطرة وزجايج -جمع زجاجة- مقطرة! وتفشل بالرغم من كل الجهود أن تفهم إيه الحكاية، ولكن عبثا تحاول لأنك لن تستطيع! وقال إيه الحكاية؟ واحدة نايمة عيانة، وواحدة قاعدة تسألها، ولا بد في المسلسل من واحد فتوة، وواحد تاني خايف، ولا بد من واحدة في المسلسل حلوة شريفة ولكن الظروف غدّارة كما أن الدنيا دوارة، وساعة في ايدك والساعة الثانية عند عدوك! وآه يا خسارة على شرف البنت اللي زي قطعة الجاتوه ما تتاكلش غير مرة واحدة! ويا داهية دقي لو كان في المسلسل صعيدي، ستسمع حينئذ لغة لا وجود لها إلا في صعيد جواتيمالا، ولا بأس في آخر المسلسل من فرح وزفة عروسة”.

فهل هذه حرية الفن والإبداع؟ هل هذا أصلا هو الفن؟ هل هذا ما يستحقه شعب ثار على تجار الدين، فابتلي بأنصاف فنانين يصدرون له الإسفاف والابتزال بديلا عن التطرف والإرهاب وكأن قدره أن يحاصر بين هذا وذاك؟

عزيزي المشاهد.. ليس هناك اليوم مجلس شعب يتقدم فيه أعضاء موقرون بتساؤلات واستجوابات عن هذه المهزلة الرمضانية.. ليس هناك وزير إعلام الولاء الحقيقي عنده للشعب لا للسلطة.. ليس هناك رقباء أمناء على الأمة في الرقابة على المصنفات الفنية، والحل الوحيد حتى هذه اللحظة هو ضغطة الريموت كنترول، والانضمام لحملات المقاطعة التي يجب أن تتسع وتصل لكل صناع الهلس الرمضاني، إلى أن تصل الثورة ذات يوم إلى عمل قانون جديد للرقابة على المصنفات الفنية، وتعيد هيكلة هذا الجهاز بما يتناسب مع عاداتنا وتقاليدنا ويمثلنا بحق، على غرار الرقابة الفنية في الدول المتقدمة.

COMMENTS

WORDPRESS: 0
DISQUS: 0
%d مدونون معجبون بهذه: