اخبار السينما و الفنالبوابة الأخبارية

“الفاجومي” حالة شعرية ترصد تاريخ مصر السياسي

لعل مشكلة كل مَن سيتعامل مع فيلم “الفاجومي” هي أنهم سيتعاملون مع سيرة ذاتية لشخص حاضر في الحياة لم يُفارقها بعدُ، بل وشخصية شهيرة متواجدة على الساحة الإعلامية ونشطت بكثرة في السنوات الأخيرة، خاصة بعد ثورة 25 يناير التي تنبَّأ بها في أغلب حواراته.

ولعل هذه المشكلة هي التي جعلت صنّاع الفيلم يتعاملون مع أسامي الشخصيات بأسماء متقاربة حتى يُبعدك رويدا رويدا عن الشخصيات التي تعرفها، لتغرق في أحداث الفيلم، وتنسى مع الوقت المقارنة التي ستعقدها في بداية الفيلم بين الشخصيات التي تراها أمامك على الشاشة والشخصيات الحقيقية التي ربما تعرفها أو تشاهدها من حين لآخر على الشاشات أيضا، لتتعامل مع أدهم فؤاد نسر والشيخ همام بدلا من أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام.

يبدأ الفيلم بإهداء إلى شهداء 25 يناير، لتضح الصورة بعد ذلك على أدهم فؤاد نسر (أحمد فؤاد نجم) -الذي يقوم بدوره الفنان خالد الصاوي- شاعر العامية البسيط الوطني صاحب العين الزائغة والنفس شبه الضعيفة، والتي تستجيب لإغراءات التربّح السريع عن طريق التزوير، لكنه سرعان ما تَغْلِب عليه وطنيته؛ فيعترف على نفسه ليبدأ رحلته الوطنية من قلب السجن بعد أن يتعلّم من السجناء السياسيين الذين يُنوّرون له ما غفلت عنه عيناه.

يتميّز الفيلم بالأداء التمثيلي الجميل من الفنان خالد الصاوي، جابهه فيها الفنان القدير صلاح عبد الله الذي قدّم دور الشيخ همام (الشيخ إمام) رفيق درب أدهم فؤاد نسر الذي تعرّف عليه في ظروف صعبة، الشيخ همام هو الأعمى صاحب الصوت العذب الذي لا يمكنه السير في طريقه بدون نور عينه؛ فكلاهما مرتبط بالآخر فلا يمكن للشيخ السير بدون الشاعر، ولا يمكن للشاعر إخراج أفضل ما عنده بدون أن يغنيه الشيخ، ولعل هذه النقطة تتضح جديّا في المشهد الذي يختلف فيه الاثنان؛ فيُقرّر أدهم الابتعاد وترك الشيخ، فيحاول الشيخ السير فلا يستطيع فينادي عليه قائلا: “هارَوَّح إزاي من غير ما تسحبني يا أدهم!!”، وفي تلك اللحظات يعود الشاعر مرة أخرى ليسحب الشيخ المغنّي، دليلا على أن طريقهما واحد.

 

كان الأداء التمثيلي راقيا من جميع أبطال العمل؛ حيث قدَّمت جيهان فاضل واحدا من أروع أدوارها على الإطلاق؛ حيث جسَّدت التغيّرات التي طرأت على الشعب المصري منذ بدء الستينيات وحتى نهاية السبعينيات، وسيطرة التيار السلفي على الشارع المصري، كما قدّمت الفنانة الشابة فرح يوسف دور منة (عزة بلبع) المطربة الشابة والبنت الارستقراطية التي تُغامر بكل حياتها؛ لتتزوّج من الشاعر المغمور الذي لا يملك من الحياة إلا القليل، لتحارب الجميع.

ولعل السقطة الوحيدة في التمثيل من وجهة نظري تمثّلت في السورية كندة علوش، والتي أدّت دور مهيتاب (صافيناز كاظم) بلهجتها التي حاولت أن تكون مصرية وأداء تمثيلي بارد بعض الشيء يختلف كل الاختلاف عن طبيعة الشخصية الحقيقة لأم نوارة، وطليقة الشاعر الكبير أحمد فؤاد نجم.

رصد الفيلم الحياة السياسة لمصر عن طريق قصائد نجم الشهيرة والذي لم يترك مناسبة إلا وألقى فيها قصيدة حفرت نفسها في تاريخ هذا البلد، لتظلّ علامة مع هذا الحدث؛ حيث لا يمكنك تذكّر الحدث التاريخي دونها والعكس.

واستطاع أحمد سعد إعادة تقديم أغنيات الشيخ إمام برؤية جديدة عصرية تناسبت مع هذا العصر، وإن لم تفوق روعة الأغنيات القديمة والتي حفرت نفسها في وجدان مستمعيها حتى أنهم لا يستطيعون تقبّل هذه الأغنيات إلا من صاحبها الأصلي الشيخ إمام.

كان الإخراج والتصوير مميزَيْن جدا، واستطاع عصام الشماع تقديم فيلم متماسك يرصد الحياة السياسية في مصر مع الحياة الشخصية للشاعر الكبير وربطهما ببعضهما البعض في عدة مَشاهد تناقلت حتى وصلت لتظاهرات الطلبة في السبعينيات، لتحدث السقطة الكبرى في الفيلم وهي تجسيد ثورة 25 يناير بوضع مَشاهد حقيقية من قلب ميدان التحرير في إقحام فج أخلّ بتوازن المشهد، ليظهر في نهايته خالد الصاوي وهو يُجسّد نجم وهو في الثمانين من عمره يغني أغنية “مصر يامة يا بهية” بأداء ضعيف أضاع معه الصاوي جزءا كبيرا من جمال الأداء الذي أنساني أحمد فؤاد نجم، ليجعلني أعيش في حياة أدهم فؤاد نسر التي صرت أتعرّف عليها من أحداث الفيلم.

 

الوسوم

راديو مصر علي الهوا

راديو مصر علي الهوا ... صوت شباب مصر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق