هكذا كانت حرب أكتوبر كما أرادها الشاذلي ورفضها السادات

وبعد سرد تفاصيل الصراع بين الفريق سعد الدين الشاذلي -رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصري إبان حرب أكتوبر 1973- وبين السادات والمشير أحمد إسماعيل -وزير الحربية آنذاك- في الحلقات الماضية… نحاول خلال السطور القليلة القادمة التعرُّف على وجهة نظر الشاذلي في عدم تطوير الهجوم على العدو الإسرائيلي.

من الممكن أن يتساءل البعض: لماذا يرفض الشاذلي تطوير الهجوم بعد يوم 13 أكتوبر والانتصار الرائع الذي تحقّق على أيدي القوات المسلحة؟ هل يكره أي قائد عسكري في العالم أن يحقّق نصرا كاملا؟ هذا بالضبط ما أجاب عنه الفريق الشاذلي بعدما انتهى الضجيج وخفّ الصخب.

فمع تولّي الفريق سعد الدين الشاذلي رئاسة أركان حرب القوات المسلحة في مايو 1971 لم يكن لدى مصر أي خطة هجومية لاستعادة أراضيها، ولذا عكف لعدة أشهر على دراسة كل الاحتمالات الممكنة، وخرج بعدها بيقين بأن المعركة القادمة يجب أن تكون “محدودة” و”خاطفة”؛ بحيث يكون هدفها هو “عبور قناة السويس وتدمير خط بارليف واحتلاله، ثمّ اتخاذ أوضاع دفاعية بمسافة تتراوح ما بين 10 و 12 كم شرق القناة”، لكن يبقى السؤال: لماذا هذه المسافة تحديدا؟

بكل بساطة.. لأن هذه المسافة هي المسافة المؤمّنة بوساطة مظلّة الصواريخ المضادة للطائرات؛ بمعنى أنه يمكن لقوات المشاة والمدرعات المصرية أن تسير في حماية تامة من الطائرات في هذه المسافة فقط، وبالتالي لا خيار أمام قواتنا سوى الوصول إلى هذه المسافة والوقوف عندها.

ولكن يبقى كل ما سبق يقرّ أيضا بأن تحقق مصر نصرا منقوصا من خلال تحرير جزء من أراضيها وليس كل أراضيها، وهو ما يدين الشاذلي ولا يبرّئه، ولكن الحقيقة أن الشاذلي لم يكن ينوي من الوقوف عند هذه المسافة التوقّف للأبد.

فقد كانت فلسفة خطته تقوم على أن لإسرائيل نقطتيْ ضعف قاتلتين:
1- عدم قدرتها على تحمّل الخسائر البشرية؛ نظرا لقلة عدد أفرادها.
2- إطالة مدة الحرب؛ فهي في كل الحروب السابقة كانت تعتمد على الحروب الخاطفة التي تنتهي خلال ستة أسابيع على الأكثر؛ لأنها خلال هذه الفترة تقوم بتعبئة 18% من الشعب الإسرائيلي من أجل الحرب، وهذه نسبة عالية جدا تُؤثّر بشدة على الحالة الاقتصادية؛ لأن الشعب كله في النهاية عبارة عن ضباط وجنود في القوات المسلحة.

لكن الفريق صادق -وزير الحربية وقتها- عارض الفكرة بشدّة، وقال إنها لا تحقق أي هدف سياسي أو عسكري، وكانت فكرته عن العملية الهجومية هي أن تقوم القوات المسلحة بتدمير جميع قوات العدو في سيناء، والتقدُّم السريع لتحريرها هي وقطاع غزة (التي كانت خاضعة للإدارة المصرية قبل النكسة) في عملية واحدة ومستمرة.

وبالرغم من أن الشاذلي كان مقتنعا بأن القوات المسلحة تفتقر للإمكانات اللازمة للقيام بذلك، لكن الإصرار السياسي على القيام بعمل هجومي شامل أدّى في النهاية إلى إعداد خطتين هجوميتين:

الأولى: أطلق عليها اسم “جرانيت 2″، ثم عُدلت إلى “العملية 41″، وكانت تهدف إلى الاستيلاء على خط المضائق (على بُعد بين 32 : 75 كم من قناة  السويس).

– الثانية: أطلق عليها أسم “المآذن العالية”، ثمّ عُدلت إلى “بدر”، وكانت تهدف إلى عبور القناة والاستيلاء على خط بارليف، ثمّ في خلال 72 ساعة تكون القوات قد توغّلت في سيناء لمسافة تتراوح بين 10- 15 كم، ثمّ تتوقف وتتخذ أوضاع الدفاع.

وكان الشاذلي يعتقد أن الخطة “بدر” هي الأقرب للتنفيذ؛ بسبب عدم قدرة القوات المسلحة على تخطّي حدود 15 كم على الأكثر داخل سيناء؛ لثلاثة أسباب:
1-ضعف القوات الجوية، وبالتالي تكون قوات المشاة والمدرّعات في العراء دون أي حماية من الطيران الإسرائيلي.
2-عدم توافر كتائب صواريخ SAM خفيفة الحركة بالقدر الذي يُمكّنها من أن تحلّ محلّ القوات الجوية في توفير الغطاء الجوي للقوات التي تتقدّم شرقا.
3-عدم قدرة غالبية العربات العسكرية على السير خارج الطرق الممهدة.

وفي نهاية أكتوبر 1972 عُيّن الفريق أحمد إسماعيل وزيرا للحربية، وكان قد قدّم في النصف الأول من العام نفسه تقريرا بصفته مديرا للمخابرات العامة؛ قال فيه إن مصر ليست في وضع يسمح لها بالقيام بعملية هجومية، وحذّر من أنه لو قامت مصر بشنّ الحرب تحت هذه الظروف؛ فإن ذلك قد يقود إلى كارثة، وأيّد السادات هذا التقرير.

لكن في إبريل 1973 طلب إسماعيل -بناءً على أوامر السادات- تطوير الخطة “بدر”؛ بحيث تشمل الاستيلاء على خط المضائق، وبعد نقاش طويل تقرّر أن تكون الخطة على مرحلتين؛ فتكون خطة العبور هي المرحلة الأولى، وخطة التطوير هي المرحلة الثانية، ولكي يتم تعميق الفاصل بين المرحلتين كان يتمّ شرح المرحلة الأولى ثمّ يُذكر أنه “بعد وقفة تعبوية يتم تطوير كذا وكذا”. (وقفة تعبوية: تعبير عسكري؛ يعني التوقّف إلى أن تتغيّر الظروف التي أدّت إلى هذا التوقف، وقد تمتدّ هذه الوقفة لعدة أسابيع أو أشهر أو أكثر).

يقول الشاذلي: “كنا نشرح ونناقش خطة العبور بالتفصيل الدقيق، ثمّ نمر مرورا سريعا على المرحلة الثانية.. لم أتوقّع قط أن يُطلب إلينا تنفيذ هذه المرحلة، وكان يُشاركني هذا الشعور قادة الجيوش، ويتظاهر بذلك على الأقل وزير الحربية”.

لقد كان السادات يُدرك الإمكانات المحدودة للقوات المسلحة، وعدم قدرتها على القيام بعملية واسعة لتحرير سيناء بالكامل، فضلا عن قطاع غزة في ظلّ عدم وجود غطاء جوي يحمي القوات، كما أن السادات كان غارقا حتى أذنيه في مشكلات التفاوض مع السوفييت بشأن السلاح، وكان يُدرك تماما خطورة تطوير الهجوم دون وجود معدات كافية.

ويثبت ذلك أنه بعد انتهاء الحرب وفي سبتمبر 1975 اعترف السادات لأول مرة بأن هدف القوات المسلحة في أكتوبر كان “احتلال شريحة من الأرض بعمق حوالي 10 كم شرق القناة”.

والمفارقة أن هذا الغرض تحقّق بالفعل اعتبارا من يوم 7 أكتوبر؛ أي في اليوم الثاني مباشرة للمعركة، وبالرغم من ذلك رفض السادات الاقتراح السوفييتي بوقف إطلاق النار، وأمر بتطوير الهجوم نحو الشرق يوم 14 أكتوبر بالرغم من معارضة القادة العسكريين جميعا، ودون غطاء جوي يحمي هذا التقدُّم.

 

“أنا واثق أن مصر وليس السادات سوف تكرمني في يوم من الأيام بعد أن تعرف حقائق وأسرار حرب أكتوبر. ليس التكريم هو أن أمنح وساماً في الخفاء ولكن التكريم هو أن يعلم الشعب بالدور الذي قمت به. سوف يأتي هذا اليوم مهما حاول السادات تأخيرة ومهما حاول السادات تزوير التاريخ”.

هكذا تنبأ الشاذلي في يوم من الأيام وتحققت نبوئته بعد أكثر من عشرين عام

 

اترك رد