البوابة الأخبارية

يا لكم من شعب سيس.. أتريدون محاكمة الرئيس؟!!

الأمر كله جاء دون أي ترتيب مسبق، اتفاق مع صديقي المقيم بمدينة شرم الشيخ: ألو.. أنا جايلك بكرة على الساعة 2 وبالفعل توجّهت مع خيوط الصباح الأولى إلى ميناء القاهرة البري، ولاحظت وجود مجموعات من المسافرين متوجّهين معي إلى مدينة شرم الشيخ أيضاً، ولكن ليس بغرض الاستجمام كما كان حالي ولكن بغرض الاعتذار.أنا آسف يا ريس
هكذا كان حالهم جميعا، شاعرين بمنتهى الأسف والندم والبغض والسخط على شعب ناكر للجميل يريد محاكمة رئيسه، رغم أنه بريء براءة الذئب من دم كذب ألقي على قميص يوسف! لا أنكر أن الأمر أثار سخريتي في البداية، ولكن بمجرد وصولي لمدينة شرم الشيخ ومرور سيارة الأجرة التي كنت أستقلها مباشرة من أمام مستشفى شرم الشيخ الدولي بحي النور، والكائن بها الرئيس السابق مريضا، بدأت أسأل نفسي سؤالا واحدا ولا شيء غيره..لماذا يجب علينا أن نحاكم الرئيس؟أولا وقبل أن نجيب عن هذا السؤال يجب علينا أن نتفق على عدد من المسلمات التي ستشكل قاعدة سليمة للحوار، تخلو من التعصب المزري، أو العاطفة الزائدة “المقرفة”، وأهم هذه المسلمات:

1- أنه يجب علينا أن نفصل بشكل واضح بين حسني مبارك العسكري وحسني مبارك السياسي، فالأول أدى واجبه العسكري مثله مثل مئات الضباط الذين حاربوا في 73 سواء كفرد في منظومتها أو كقائد لسلاح طيرانها، أما مبارك السياسي فلنا معه تار عمره 30 سنة.

2- إن الرئيس مبارك ليس مريضا عاجزا قعيد الفراش لا يتحرك ولا يتكلم ولا ينطق ولا يرى ولا يسمع، كما حاول البعض أن يصوّر لنا في محاولة يائسة لممارسة ابتزاز عاطفي بغيض، بل أثبت كبير الأطباء الشرعيين المشرف على متابعة حالته أن قلبه يعمل بكفاءة قلب شاب في الثلاثين من عمره، ولكن الأمر كله اختصر في “شوية ضغط أحيانا ما يرتفعوا وأحيانا ما يهبطوا” وهو أمر أعاني أنا منه أحيانا (وأنا في العشرينيات من عمري) ورغم كل ذلك فهو يعامل معاملة المريض، وموضوع رهن الإقامة الجبرية في جناح رئاسي فاخر بالمستشفى، وإذا لم نكن قد راعينا مرضه لكان الآن عضوا في نادي طرة لاند ولا إيه؟!!

3- إن حسني مبارك رئيس الجمهورية السابق قدّم لهذه البلاد بنية تحتية وكباري وأوصل الهواتف والكهرباء لقرى عديدة وشيد المطارات، ولكننا لا يمكننا أن نعتبر كل ما سبق إنجازات؛ لسببين رئيسين:

السبب الأول أن هذا هو عمله الذي اختير كي يقوم به ويتقاضى عليه الأجر، وقد بقي في الحكم 30 عاما، ومن الطبيعي أن يشيّد السدود والكباري ويدخل الكهرباء ومحطات المياه، وبالتالي لا يمكن أن أقول إن مهندس الكهرباء الذي أنار البيت الفلاني صنع إعجازا وإنجازا، بل فعل ما يجب عليه أن يفعله مقابل أجر تقاضاه؟

السبب الثاني أن مظاهر المدنية تلك تمت بالأساس بأموال الشعب المصري، وقد كلّف الرئيس من هو مختص بعمل هذه الأشياء بمقابل مالي دفعه الشعب مسبقا، أي أن الشعب موّل مَن أمر ومن نفّذ بإقامة هذه الخدمات، ولا فضل لأحد على أحد.

4- إن الرئيس مبارك يتم التحقيق معه أمام نيابة وقضاء طبيعيين يخضع لهما أي مواطن مصري عادي، وبالتالي فلا ظلم ولا اضطهاد في الأمر؛ هو يحاسب كما يحاسب غيره دون أي إجراءات استثنائية يكون القصد منها تلفيق محاكمة سريعة له، وبالتالي لا داعي لذلك الصراخ والعويل المستمرّ من أعضاء حزب الكنبة، الأمر الذي شعرنا معه وكأن الرئيس يواجه إحدى محاكم التفتيش التي تقام في أعقاب الثورات، فبحمد الله في مصر قضاء شامخ ونزيه لا يعترف بسلطان غير سلطان الله وميزان العدالة.

ونعود من جديد إلى السؤال الذي طرحناه في البداية: لماذا يجب علينا أن نحاكم الرئيس مبارك؟

أعتقد أن الإجابة عن هذا السؤال لا تستقيم قبل أن نسأل: أليس الرئيس مبارك هو مواطن مصري له ما له من حقوق وعليه ما عليه من واجبات؟ الإجابة: نعم.. إذن لماذا لا نحاكمه؟

فلنضع مشاعر الأبوة والأسرة الريفية جانبا بالله عليكم، الأمر يتعلق بتطبيق العدالة في هذا البلد، ميزان العدالة الذي نفترض أنه ضرير لا يرى من يحاكمه، ومع ذلك نصرّ نحن خانعين خاشعين على أن نُفتّح أعينه حتى لا ينسى نفسه ويعرف أنه أمام الرئيس، البعض منا يطالب بالتغاضي عن محاكمة الرئيس مبارك بحكم تقدّمه في السن..

حسنا.. إذا فعلنا فليكن ذلك مع كل من يمثل أمام المحكمة الآن وهو طاعن في السن، فليطبّق استثناء العدالة على السيدة التي انتوت أن تقضي بقية عمرها في السجن؛ لأنها زوّجت كل أولادها بالأقساط ولم تدفع لأنها لم تملك، فلنتغاضَ عن هذه السيدة التي قهرها فقرها وأحوجها إلى هذا التصرف، أوَليست سيدة طاعنة في السن أم إن العدالة تتعاطف مع نوعيات معينة من المسنين، إذن كما رأيتم الأمر يتعلق بتطبيق العدالة؛ لأن السجون لم تصنع لفئات معينة، السجون صنعت لكل من يخالف، وإذا ثبت أن الرئيس السابق كان مخالفا فليخرج، وإذا لم يثبت فلنضعه فوق رؤوسنا.

يجب علينا أن نحاكم الرئيس؛ لأنه ببساطة فعل ذلك ولم نلفّق له التهم؛ لأنه ببساطة لم يحاول منع قوات الشرطة من ضرب المتظاهرين بالرصاص الحي بحكمه القائد الأعلى للشرطة.. لأنه ببساطة لم يتصرف حيال المئات وربما الآلاف من وقائع وأساطير التعذيب التي أخذت ترويها وسائل الإعلام يوميا.. ولم يحرك ساكنا ولم يعاقب مجرما وأصر على التمسك لسنوات عشر بوزير داخلية فاحت رائحته وتقشّفت أصابعه من دماء الأبرياء، وكأن الرئيس لا يسمع أو لا يريد أن يسمع.

نريد أن نحاكمه لأنه لم ينتبه لوقائع التربح والرشوة والفساد التي أخذت تسيل من حنفيات وسائل الإعلام بصفة يومية، ولم يُقِلْ وزيرا ولم يُحرّك ساكناً، رغم رائحة الفساد التي فاحت لم يكتفِ بذلك وإنما تمّ تكريمه وتقليده بوسام النيل، فبدلا من التحقيق معه كرمناه بمثل هذا الوسام الكبير، وبذلك نجد أن الموازين قد اختلّت.

يجب أن يُحاكم الرئيس على ثرواته وثروات زوجته التي أكد أنها غير موجودة رغم تقارير الرقابة الإدارية والكسب غير المشروع والحسابات السرية المفتوحة والمكشوفة للجميع، أكد أنه لا يملك أرصدة بالخارج رغم تصريحات جون كيري -رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي- التي وصفت هذه الثروات بالمليارات، إن الرئيس يكذب علينا رغم المأزق الواقع فيه، يكذب على من كان شعبه وما زال مصرا على احتقاره.

نحاكمه على تمسكه بوزير زراعة ظل يسمم المصريين بمبيداته المسرطنة، وأصبح بفضله معهد الأورام كالمنحل بسبب أعداد الأطفال الرهيبة المصابة بالسرطان على اختلاف أنواعه، ولم يفعل شيئا ولم يتصرف، وحتى عندما التهم البحر الأحمر أرواح 1300 مصري في كارثة عبّارة السلام تعمد التباطؤ في القبض على ممدوح إسماعيل -مالك العبارة- أو على الأقل التحفظ، مما أتاح لإسماعيل الهروب إلى إنجلترا والنجاة من فعلته.. فأين القصاص العادل؟!

نحاكمه على من دُفنوا أحياء أسفل صخرة الدويقة؛ لأن أجهزة الدفاع المدني لم تتمكن من الوصول إليهم، فكان الحل الأسهل أن يردمهم في مقبرة صناعية ينتحرون فيها لا إراديا.

وإذا كان من كل ما سبق ما لم يعرفه بشكل مباشر فهذه مصيبة أكبر ودليل إدانة ضده؛ لأنه اختار حاشية سيئة أخفت عنه ما أخفت، ولكن على أية حال افتراض أن الرئيس كان جالسا في غرفة مكيفة تصل إليه فيها الأخبار التي يريدها زكريا عزمي فقط هو افتراض غير منطقي؛ لأنه كان يتابع كل همسة في مختلف وسائل الإعلام بشهادات إعلاميين مشهود لهم بالشرف والنزاهة.

إذا قتل الشريف تركتموه
بعض من المتعاطفين مع الرئيس السابق يعتقدون أن في العفو عنه ما هو في صميم الدين الإسلامي نفسه، على اعتبار أن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم سبق أن عفا عن الكفار عقب دخوله مكة في الواقعة الشهيرة والمعروفة، وهنا يجب أن نحلل الموقف بشيء من التدقيق..

إن النبي في هذه الحالة كان يمثل كل سلطات الدولة القضائية والنيابية والعسكرية في آن واحد، ولكنه عندما عفا عنهم عفا عنهم على اعتبارهم أسرى حرب، حاربوا بنزاهة من أجل ما كانوا مؤمنين به ويرونه نزيها، ولكن هل كان يسامحهم الرسول لو كانوا مسلمين تسببوا عمدا في قتال إخوانهم المسلمين، هل كان يتركهم لو شهدوا الظلم وسهّلوه وباركوه، هل كان يتركهم لو كان منهم من قتل أخاه المسلم، ومنهم من عذّب ومنهم من اغتصب، ومنهم من أهان، ومنهم من أذل، ومنهم من حرم أخاه المسلم لقمة العيش.

وهنا نسأل من جديد لماذا لم يعفو الله عز وجل عن فرعون في لحظاته الأخيرة عندما أعلن الإيمان؟ كيف كان ردّه وهو واسع الرحمة والمغفرة لم يقبل توبته وردها إليه.

نبي الله نفسه ماذا قال عن القوم الأولين “إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ، والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها”.

وها هو سيدنا محمد يرفض العفو والصفح عندما يتعلق الأمر بتطبيق عدالة السماء في الأرض، حتى لو كانت على فاطمة بنت محمد، وحتى لو كان على علاء وجمال ومبارك نفسه، ألم يكن سيدنا محمد رحيما بإخوانه عندما رفض تطبيق العفو والصفح، أم إن شرع الله أعمى والعدالة عمياء لا تعرف من تطبق عليه بل تعرف حد الله أيا كان.

وإذا حاولنا صياغة السؤال الذي طرحناه في البداية وهو: لماذا يجب أن نحاكم الرئيس؟ وحوّلنا إلى لماذا لا يجب أن نعفو عن الرئيس وننظر إلى الأمور من زاوية مختلفة فماذا ستكون النتيجة؟

ما أعرفه أننا سبق وتعاطفنا مع الرئيس مبارك، ووجدنا جيشا من البلطجية والخيّالة والعربجية يقتحمون المدنيين العزّل في موقعة الجمل الشهيرة، فقُتل من قُتل وأُصيب من أُصيب، تعاطفنا معه الثلاثاء وأسيلت دماؤنا الأربعاء، ما أعرفه أننا تعاطفنا معه بعد أن خرج علينا بخطابه الثاني يوم 1 فبراير، بينما كانت معتقلات أمن الدولة ما زالت تعمل بكامل طاقتها؛ وذلك بشهادات معتقلين خرجوا فيما بعد، ما أعرفه أننا تعاطفنا مع هذا الرجل بعد تنحّيه وسفره لشرم الشيخ، فجاء رفيق كفاحه وفرم كل ما يدينه من مستندات في قصر الرئاسة.

والسؤال الأهم الآن هو: هل نملك أساسا العفو والصفح؟؟ إذا أردنا أن نصفح عنه فيجب أن توافق أمّ كل شهيد على أن تتنازل عن دماء ابنها التي أسيلت على أسفلت التحرير برصاصة ضابط أو ببلطة بلطجي، إذا أردنا أن نعفو عنه فليعفُ عنه آلاف الأطفال الذين سقطت شعورهم من جراء العلاج الكيماوي بالمبيدات المسرطنة، فليعفُ عنه أسر ضحايا السلام 98 وصخرة الدويقة وقطار الصعيد، فليعفُ عنه آلاف المصريين الذين ذاقوا المعنى الحقيقي للبهدلة والهوان، دون أن يحرك ساكنا حفاظا على علاقتنا العربية المتميزة.

وحتى وإن عفا كل هؤلاء فيبقى الحق التاريخي لهذه البلاد؛ لما فعله فيها وهو حق لا يسقط بالعفو أو التقادم، يبقى قائما يقظا لا ينهدم، وإذا عفونا فلنكتب وقتها على السجون -للغلابة فقط، للي ملهمش دهر فقط، للرؤوساء والوزراء لا- وقتها نكون حكمنا على أنفسنا بالعبودية والذل فنرضى لأنفسنا ما لم نرضاه لغيرنا.

سيدي الرئيس.. أعتقد أن جلّ ما يمكنك أن تحصل عليه من عفو وتعاطف هو أن تحصل على محاكمة عادلة طبيعية لا تظلم فيها وتحاسب على ما اقترفته يداك، لن نلفق لك التهم كما فعلت، ولن نعلق لك المشانق كما فعلت، ولن نخرس كلمة حق تقال في حقك كما فعلت؛ لأن الثورة قامت كي تكون الوجه الأبيض للواقع الأسود، قامت كي تنبذ ما عانته، عُذبت فلا تُعذّب، اضطُهدت فلا تضطهد، ظُلمت فلا تظلم، ولكنها لن نسكت من جديد، ولن نقع في فخّ العاطفة سيدي الرئيس..

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق